عواء الذئاب من بعيد

هوشنك أوسي

منذ عقدٍ ونيّف، ما عاد يساورني شكٌّ أنّ زعيم حزب العمّال الكردستاني عبدالله أوجلان – في اللحظة الأولى لوجوده على متن الطائرة – استسلم للدولة التركيّة. قياديٌّ كرديٌّ استسلم وانتهى الأمر، شأنه في ذلك شأن العديد من قيادات الكردستاني التي استسلمت أثناء الاعتقال. لكن، منذ نحو ثماني سنوات تقريبًا، وتحديدًا بعد احتلال منطفة عفرين الكرديّة – السوريّة من قبل تركيا وجحوشها ومرتزقتها وتصريح أوجلان وقتذاك، لم يبقَ لديّ أدنى مجالٍ للشكّ أنّ عبد أوجلان ليس شخصًا جبانًا مهزوزًا مستسلمًا و"اعترافجيًّا" وحسب، بل عميلٌ قديمٌ وأصيلٌ من عملاء الدولة العميقة في تركيا. إذن، الرجل لم يكن سياسيًّا، فضلاً عن كونه ليس مناضلاً، لأنَّ النضال استحقاق سياسي وأخلاقي قائم على التضحية والتعب والمشقّة والكفاح السلمي والعسكري، إنّه مجرّد عميلٍ انخدعتُ به على امتداد سنوات، كما انخدع به الملايين من الكرد. وعليه، إمّا كانت تركيا بارعةً جدًّا في خداعنا، أو أنّنا كنّا محض بسطاء سذّج، عقولنا "جوزتين بخرج" كما يُقال في العاميّة السوريّة.

خدعتنا أنقرة بأن فرضت علينا نموذجًا ستالينيًّا – هتلريًّا شديد القبح والنذالة، باعتباره زعيمًا تحرّريًّا وطنيًّا، لم ولن تلد بطن امرأةٍ مثلاً له، لا قبله ولا بعده. صدّقنا تلك الأكذوبة، وصفّقنا لها، وسرنا خلفها كالعميان الذين قلبوهم على أقفالها.

رجلٌ تعبت عليه تركيا كثيرًأ، منذ كان شابًا قرويًّا عاقًّا عديم الأدب والتربية، حيث اعتدى على شقيقه الصغير بالحجارة، واستكمل ذلك بضرب والده بالحجارة ذاتها، ثمّ سرق من جيب والده الفقير المهزوز عشر ليرات وهرب من البيت، وانتسب إلى منظمة الشباب في حزب الحركة القوميّة المتطرّف نهاية الستينيّات، وغرسته الاستخبارات التركيّة ضمن مجموعات اليسار، وبعدها بدأت بترتيب سيناريو تأسيس حزبٍ خاصٍّ له، الهدف منه تدمير الحركة السياسيّة الكرديّة في تركيا أوّلًا، ثمّ منح تركيا مبرّراتٍ ومسوّغات تدمير المجتمع الكردي في تركيا وإحراق أكثر من 4500 قريةٍ كرديّة، وتهجير سكّانها.

هكذا نجحت تركيا في خداعنا، بأن فرضت علينا "زعيمًا" رعديدًا، جبانًا، كذّابًا، سافلاً، منحطًّا، شديد البذاءة في القول والفعل، بدأ حياته السياسيّة بتخوين الكرد والحركة التحرّريّة الكرديّة، واستهداف حركات اليسار الكردي والعربي والتركي والإيراني والعالمي، وفرض نفسه علينا كـ ماركس الثاني، ولينين الثاني، وجيفارا الثاني، وشبّه نفسه بالأنبياء والفلاسفة والمصلحين... إلخ، لكنه خدم نظام الأسد، ونظام بعث صدّام، ونظام الملالي، والنظام التركي، وخدم أرمينيا واليونان وبلغاريا، وأمريكا، وكان كارثة الكوارث على الكرد وقضيّتهم.

أوجلان، رجلٌ تعبت على تنشئته وتربيته تركيا، أكثر من أيّ زعيمٍ تركيٍّ آخر. منذ 1969 وحتّى الآن، وأنقرة تنفق على تربية وحماية وتدريب وصناعة هذا (الزعيم) الفاشي، وفرضه مرياعًا كذوبًا على قطيعٍ مهولٍ ومرعبٍ من الكرد. مرياعٌ خبيثٌ يعمل جاسوسًا عند الذئاب الرماديّة. شيءٌ يشبه سيرة وشخصيّة الأعور الدجّال، أو من سيزعم أنّه المسيح المخلّص، كما ورد في المرويّات الدينيّة.

شخصٌ لا يجيد الكتابة والقراءة باللغة الكرديّة الفصيحة، وأصبح زعيم الشعب الكردي! أليست هذه مهزلة المهازل؟! لم يُكمل تعليمه الجامعي. لم يحمل السلاح مع رفاقه المقاتلين في الجبال. لم يحرم نفسه من أيّ شيء. اعتدى على العشرات وربّما المئات من النساء، تحت شعارات تحرير المرأة. لم يُضرب عن الطعام يومًا واحدًا. لم ينتقد الدولة التركيّة منذ (اعتقاله) سنة 1999. يعادي حقّ الكرد في تقرير مصيرهم وتشكيل دولتهم القوميّة. يعادي أن يكون للكرد إقليم فيدرالي في تركيا، إيران، العراق وسوريا، وحتّى في الأرجنتين أو المريخ. يدعو إلى الاندماج في تركيا، ويعتبر تجربة حزبه (التمرّد السلبي)! اعتذرَ من عوائل الجنود الأتراك القتلى، واعتبرهم شهداء، ولم يعتذر من أمّهات الشهداء والجرحى والمقاتلين الكرد. رجلٌ فيه 9999 عيبًا وقباحةً ومثلبةً وخطيئةً، ومع ذلك ما يزال هناك حشدٌ أو قطيعٌ يرى في أوجلان زعيمًا وقائدًا مناضلاً مغوارًا للشعب الكردي! لهذا أقول: نجحت تركيا. ونجح الكرد، ولو متأخّرًا، في كشف وفضح مخطّط تركيا وألعوبتها أوجلان.

ربّما يبدو للبعض أنّ هذه الأسطر مبالغٌ فيها وخارج إطار التصديق، ومعهم حقٌّ في ذلك. لكنها الحقيقة المريرة والصادمة التي كلّفت الشعب الكردي أكثر من نصف قرنٍ من الدم والخسائر والكوارث والضياع والاستسلام لتركيا، وتسبب بها أوجلان وجماعته، هم غير مطلعين عليها ولم يعايشوها.

لا يسأل القطيع الأوجلاني نفسه: لماذا كانت تعتقل تركيا بعض أقارب المقاتلين الكرد بسبب انتسابهم للعمّال الكردستاني، ولم تعتقل أيًّا من أقارب أوجلان أو أبناء وبنات شقيقه وشقيقاته؟ بل أصبح ابن شقيقه عمر محمد أوجلان عضوًا في البرلمان التركي، وأصبحت ابنة شقيقته ديلاك فاطمة أوجلان عضوًا في البرلمان التركي، وأبناء فقراء الشعب الكردي مقاتلين في الجبال، الألوف منهم إمّا أكلت الوحوش جثثهم أو جرفتها الأنهار، ولم تجد من يواريها الثرى بشكل لائق!

قانون الجنسيّة التركي يسمح بسحب الجنسيّة من المواطن التركي إذا ثبت تورّطه بأعمالٍ تهدّد أمن الدولة، ووجِّهت له تُهمٍ تتعلّق بالخيانة. والإعلام التركي كان يصف أوجلان بزعيم المنظمة الإرهابيّة الانفصاليّة، والخائن، وقاتل الأطفال... إلخ، لكن لم تسحب أنقرة منه الجنسيّة التركيّة! لماذا؟ كلّ قيادات العمّال الكردستاني حتّى هذه اللحظة مواطنون أتراك أقحاح، لم تُسحب منهم الجنسيّة التركيّة بالرغم من اتّهامهم بالانفصاليّة والإرهاب والخيانة والعمالة للأمريكي والإسرائيلي!

في التاريخ الكردي المعاصر هناك شخصيّة كرديّة مشهورة اسمها حسن خيري (1881-1925)، من منطقة ديرسم، وهي منطقة ذات أغلبيّة كرديّة علويّة في كردستان تركيا. تلك الشخصيّة تنتمي إلى طبقة الزعامات المحليّة الذين كان لهم نفوذٌ اجتماعيٌّ وسياسيٌّ في أواخر العهد العثماني وبدايات الجمهوريّة التركيّة. انتُخِبَ حسن خيري نائبًا عن ديرسم في البرلمان التركي بعد تأسيسه سنة 1920، خلال حرب الاستقلال التركيّة بقيادة مصطفى كمال – أتاتورك. كان من النوّاب الأكراد الذين دعموا في البداية مشروع الاستقلال عن الاحتلال الأجنبي، على أساس وعودٍ بالشراكة بين الأتراك والأكراد في الدولة الجديدة. لاحقًا، برزت خلافاتٌ حادّةٌ مع توجّه الدولة المركزيّة نحو القوميّة التركيّة الصارمة وإقصاء الهويّات غير التركيّة. بعد إعلان الجمهوريّة سنة 1923، بدأت سياسات التتريك والحدّ من النفوذ المحلي والعشائري في شرق الأناضول. ارتبط اسم حسن خيري سياسيًّا بأجواء التوتّر التي سبقت انتفاضة الشيخ سعيد 1925، وهو تمرّدٌ كرديٌّ واسعٌ ضد الحكومة المركزيّة بسبب تنصّل أتاتورك من وعودهِ. بعض المصادر تشير إلى أنّ خيري تعاطف مع المطالب الكرديّة. بعد سحق الانتفاضة الكرديّة، تمّ اعتقاله، وجرت محاكمته، وأُعدم شنقًا.

وفق السرديّة الكرديّة المتداولة، يُعتبر حسن خيري نموذجًا للنخبة الكرديّة التي شاركت في تأسيس الجمهوريّة التركيّة بعد نجاح أتاتورك في إقناعها وخداعها بأن الدولة ستكون شراكةً تركيّةً – كرديّةً. ووفق السرديّة الكرديّة ذاتها، فإنّ آخر كلماته كانت اعتذارًا من الكرد، وطالبهم بالبصق على قبره لأنّه خذلهم وصدّق أتاتورك، وساهم في إبرام اتفاقيّة لوزان. حسن خيري، بصرف النظر عن صحّة أو دقّة السرديّة الكرديّة، ومحاولات تركيا إخفاء حقيقته، السائدُ عنه أنّه نموذجٌ للخائن التائب الذي لعن نفسه وقدّم اعتذارًا لشعبه. كثيرًا ما اتّهمني أنصار العمّال الكردستاني بأنّني حسن خيري، وخائن وأخدم تركيا، لأنني انتقدت وأنتقد الحزب وزعيمه أوجلان.

بالمقارنة بين تجربة خيري وتجربة أوجلان، يتّضح لي أنّ حذاء حسن خيري أشرف من أوجلان وجماعته الذين خدموا تركيا بإخلاص، حتّى أكثر من مصطفى كمال – أتاتورك. أوجلان حاليًّا لا يدافع عن اتفاقيّة لوزان وحسب، بل يطالب الكرد والترك بالعودة إلى الميثاق الملّي، والعودة إلى الزمن السلجوقي والعثماني، حين خدم الكرد الأتراك في معركتي ملاذكرد وتشالدران، وكيف أنّ التركَ بنوا أمجادهم السلجوقيّة والعثمانيّة والأتاتوركيّة على أجساد وجماجم الكرد. حسن خيري الذي ندم على ضلوعه غير المباشر في إبرام اتفاقيّة لوزان ونسفها اتفاقيّة "سِفر"، بينما أوجلان يطالب الكرد والترك بالعودة المثياق الملّي، فهو من تلك الطينة الطورانيّة العفنة الكارهة لقيام أيّ كيان كردي. وبالتالي، وحسن خيري أمام أوجلان، يظهر كشخصٍ مناضلٍ محبٍّ للكرد وكارهٍ لأتاتورك والأتاتوركيّة.

حاصل القول: منذ 1969 وحتّى الآن، والدولة العميقة في تركيا ترعى وتحمي وتصرف على تكوين وبناء وفرض زعامة أوجلان على الكرد وترسيخها بينهم، وخطت خطوات بعيدة وناجحة في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي. يعني، نحو 57 سنة وتركيا العميقة تحمي رجلها الأبرز، عبدالله أوجلان. ومنذ 48 سنة (1978)، وعشرات الألوف من الكرد يتبعون مرياعًا تركيًّا أصيلاً، فقط لأنّ الجرس المعلّق بعنقه يُصدر رنينًا (كرديًّا) مخادعًا، يبدو لهم حلوًا وجميلاً، تستعذبه آذانهم كما تستعذب الحملان والخراف الساذجة عواء الذئاب من بعيد، وهي لم تجرّب بعد ما مقدار "محبّة" و"احترام" الذئاب لقطعان الغنم وخرافها.

27/2/2026